السيد علي عاشور
101
موسوعة أهل البيت ( ع )
ثمّ إنّ المراد بالقلب في الآيات والأخبار هو اللطيفة الربّانيّة القدسيّة ، يعبّر بالقوّة العقليّة وبالعقل وبالروح وبالنفس الناطقة أيضا ، وفي الفارسيّة بروان . وقد ذكر الشيخ - كما في الفصل الآخر من الباب الخامس من السفر الرّابع من الأسفار - في بعض رسائله بلغة الفرس بهذه العبارة : روح بخارى را جان گويند ونفس ناطقه را روان ، لا الجسم اللحمي الصنوبري الذي في الحيوانات العجم أيضا . وإنّما قال : ( هذا واللّه مكتوب في صحف إبراهيم وموسى ) لأنّ الحكم العقلي لا يتغيّر بمضي الدهور ولا يتبدّل بتبدّل الزمان ولا يختلف باختلاف الأمم ، فهذا الحكم الكلي العقلي الإلهي مكتوب في الصحف الأولى ، صحف إبراهيم وموسى ومستكن في عقول النّاس والخلق ، جبّلوا عليه أزلا وأبدا . ثمّ إنّ ما تدركه هذه القوى صور صرفة وتصوّرات محضة ، لا توصل إلى معرفة الغائبات فلا بدّ للتصديق واليقين والإيصال إلى معرفة الغائبات ، من أن تكون قوّة أخرى حاكمة عليها ، وتلك القوّة الحاكمة هي العقل ، وتلك القوى من شؤونه في الحقيقة تنشأ منه ، بل هي تفاصيل ذاته وشروح هويته ، وهو أصلها ومتنها ، ولولاه لفسدت القوى وانهدم البدن ، وكذا : لولا الحجة لساخت الأرض بأهلها . وقول هشام : شيء أخذته منك ، كان هشام من أصحاب الصادق والكاظم واقتبس من مشكاة وجودهما علوما جمّة وألّف كتبا كثيرة قيمة ، وكان ثقة في الروايات حسن التحقيق بهذا الأمر ، وكان ممن فتق الكلام في الإمامة وهذّب المذهب بالنظر ، وكان حاذقا بصناعة الكلام وكان في مبدأ أمره من الجهميّة ثمّ لقي الصّادق فاستبصر بهديه ولحق به . وقد أشار إلى هذا الاحتجاج أبو عبد اللّه في ذيل احتجاجه على أبي شاكر الديصاني في حدوث العالم ، ونقله الشيخ المفيد في الإرشاد قال : روي أنّ أبا شاكر الديصاني وقف ذات يوم في مجلس أبي عبد اللّه فقال له : إنّك لأحد النجوم الزواهر وكان آباؤك بدورا بواهر ، وأمهاتك عقيلات عباهر وعنصرك من أكرم العناصر ، وإذا ذكر العلماء فعليك تثني الخناصر ، خبرنا أيّها البحر الزاخر ما الدليل على حدوث العالم - إلى أن قال : فقال أبو شاكر : دلّلت يا أبا عبد اللّه فأوضحت وقلت فأحسنت وذكرت فأوجزت ، وقد علمت أنّا لا نقبل إلا ما أدركناه بأبصارنا أو سمعناه بآذاننا أو ذقناه بأفواهنا أو شممناه بأنوفنا أو لمسناه ببشرتنا ، فقال أبو عبد اللّه : ذكرت الحواس الخمس وهي لا تنفع في الاستنباط إلّا بدليل كما لا تقطع الظلمة بغير مصباح « 1 » . الحديث الرابع في الكافي بإسناد إلى هشام بن الحكم عن أبي عبد اللّه أنّه قال للزنديق الذي سأله من أين أثبتّ الأنبياء والرسل ؟
--> ( 1 ) الإرشاد ، المفيد : 2 / 202 ، وبحار الأنوار : 3 / 39 ح 13 .